الجمعة، 10 فبراير 2012

النداء الأول في كل رسالة


النداء الأول في كل رسالة (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره)
هذه العبادة لله وحده في العهد القديم الذي أخذه الله على بني الإنسان، وسجله بقلم القدرة في فطرتهم البشرية .. يقول سبحانه: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين *
وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم
)1.
هذا العهد القديم بين الله وعباده هو الذي صوره القرآن الكريم حين قال سبحانه: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما اشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون)2، فلا عجب أن يكون النداء الأول لكل رسول أرسل إلى الناس ليذكرهم بهذا العهد القديم هو قوله تعالى:
(
اعبدوا الله ما لكم من إله غيره)3، ومصداقاً لذلك قوله تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)4، وقوله تعالى: (ما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)5. وقال تعالى بعد أن ذكر قصص طائفة كبيرة من الأنبياء: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)6.
والجميع مأمورون بالعبادة فقد أمر الله نبيه محمداً صلى الله علي وسلم بقوله: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)7، كما يحكي سبحانه على لسان سيدنا عيسى فيقول في أدب العبودية رداً على ما نسبوه إليه وافتروه عليه: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد)8.
فالأديان كلها دعوة إلى عبادة الله وحده. والأنبياء كلهم أول العابدين لله. وعبادة الله وحده هي إذن مهمة الإنسان الأولى في الوجود كما بينت ذلك كل الرسالات.
________

الغاية من خلق الإنسان


لماذا خلق الله الإنسان؟ وما الغاية من خلقه ؟ وما رسالته في هذه الحياة؟
سؤال واجب على الإنسان – كل إنسان – أن يسأله لنفسه، وأن يفكر مليا في جوابه. فإن كل جهل قد يغتفر، إلا أن يجهل الإنسان سر وجوده، وغاية حياته، ورسالته في هذه الأرض.
إن كل صانع يعرف سر صنعته .. والله – تعالى – هو صانع الإنسان وخالقه ومدبر أمره. فلنسأله يا رب لماذا خلقت هذا الإنسان؟
وسيرد الله على تساؤلنا بما بيّن لنا في كتابه العزيز أنه خلقه ليكون خليفة في الأرض. يقول الله تبارك وتعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ….) [البقرة:30]
وأول شيء في هذه الخلافة أن يعرف الإنسان ربه حق معرفته ويعبده حق عبادته، قال تعالى: (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما) [الطلاق:12]

العبادة غذاء الروح


العبادة غذاء الروح وراحة القلب وسعادته:
الإنسان ليس هذا الغلاف المادي الذي نحسه ونراه (البدن) والذي يطلب حظه من الطعام والشراب، ولكن حقيقة الإنسان في ذلك الجوهر النفيس الذي صار به إنساناً مكرماً سيداً على ما فوق الأرض من كائنات، ذلك الجوهر هو الروح.
وكما أن البدن في حاجة للطعام والشراب لكي يحيا وينمو، فالروح في حاجة إلى الغذاء لكي تحيا وتزكو، وحياتها وزكاتها في القرب من الله عز وجل.
فالعبادة هي التي توفر لهذا الروح غذاءه وتمده بمدد يومي لا ينفد ولا ينتهي،
والقلب دائم الشعور بالحاجة إلى الخالق، وهو شعور لا يملأه إلا حسن الصلة بالله، وهذا هو دور العبادة إذا أديت على وجهها الصحيح.
يقول بن تيمية رحمه الله: “القلب فقير بالذات إلى الله من جهتين، من جهة العبادة ومن جهة الاستعانة (إياك نعبد وإياك نستعين) .. فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا ينعم ولا يسر ولا يتلذذ ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحده وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات، لم يطمئن ولم يسكن، إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه بالفطرة من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذه والنعمة والسكون والطمأنينة. وهذا لا يحصل له إلا بإعانة الله له، ولا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله، فهو دائماً مفتقر إلى حقيقة (إياك نعبد وإيا نستعين)”.
وقد قال أحد الصالحين: “مساكين أهل الغفلة خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل له: وما هو؟ قال: محبة الله والأنس به”، وقال آخر: “لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه السيوف” يعني من سعادة وراحة.
هذا هو طعم الإيمان الذي يتحدثون عنه، إذا ما وجد في القلب فلا يرى صاحبه أن العبادة هي تنفيذ أوامر فحسب، بل يجد فيها تلذذاً بمناجاة الله وطاعته، والسعي في مرضاته، ويرى في ذلك سعادة لا تدانيها سعادة.

شروط صحة العبادة


للعبادة المقبولة شرطين لا ثالث لهما: أن يكون العمل خالصاً لوجه الله تعالى، وأن يكون موافقاً لشرعه سبحانه.
الشرط الأول: النية الخالصة .. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه”.
هذا الحديث ميزان الأعمال في باطنها، فكل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله ثواب .. وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُثِبت عليها حتى اللقمة تجعلها في فيّ امرأتك”.
الشرط الثاني: موافقة العمل لشرع الله .. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد”،
وهذا الحديث هو ميزان الأعمال في ظاهرها، فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله، فعمله باطل ومردود عليه.
ولنا في سلفنا الصالح القدوة في التطبيق فهذا زيد الشامي يقول: “إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب”، وعن داوود الطائي قال: “رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية”.
وكان من دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “اللهم اجعل عملي كله صالحاً، ولوجهك خالصاً”.
وقال الفضيل بن عياض: “إن الله لا يقبل من العمل إلا أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: أخلصه أن يكون خالصاً لله، وأصوبه أن يكون موافقاً لشريعة الله..”

التعبد المطلق


قال الإمام بن القيم: “صاحب التعبد المطلق غرضه تتبع مرضات الله تعالى أين كانت، فمدار تعبده عليها. فهو لا يزل متنقلاً في منازل العبودية، كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها، واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى. فهذا دأبه في السير حتى ينتهي سيره.
فإذا رأيت العلماء رأيته معهم، وإذا رأيت العباد رأيته معهم، وإذا رأيت المجاهدين رأيته معهم، وإذا رأيت الذاكرين رأيته معهم، وإذا رأيت المتصدقين المحسنين رأيته معهم.
فهذا هو العبد المطلق الذي لم تملكه الرسوم، ولم تقيده القيود، ولم يكن عمله على مراد نفسه بل هو على مراد ربه، ولو كانت راحة نفسه ولذاتها في سواه. فهذا هو المتحقق بـ (إياك نعبد وإياك نستعين) حقاً، القائم بها صدقاً.
دائر مع الأمر حيث دار، يدين بدين الآمر أنّى توجهت ركائبه. ويدور معه حيث استقلت مضاربه.
يأنس بكل محق، ويستوحش منه كل مبطل.
كالغيث حيث وقع نفع، وكالنخلة لا يسقط ورقها وكلها منفعة حتى شوكها، وهو موضع الغلظة منه على المخالفين لأمر الله، والغضب إذا انتهكت محارم الله” [مدارج السالكين لابن القيم ج1]

العلاقة بين الإنسان والكون من حوله


إن الله تعالى قد خلق هذا الكون البديع الجميل للإنسان، وكذلك بعث الرسل والأنبياء جميعاً لهدايته. يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: “يا بن آدم خلقت الأشياء كلها لك وخلقتك من أجلي فلا تشتغل بما هو لك عما أنت له”.
ولقد أخبرنا الحق في كتابه عن فضله تعالى على الإنسان ثم موقف الإنسان العجيب تجاه هذه النعم بأنه ظلوم كفار فقال: (الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار * وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار * وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار)1
إن الذي خلق هو الله، والذي رزق هو الله، والذي علّم هو الله، والذي كرم الإنسان هو الله، فهل يعترف بهذا كله.
وفي الحديث القدسي: “إني والإنس في نبأ عظيم .. أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي”2. ويقول الله تبارك وتعالى: (كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى * إن إلى ربك الرٌجعى)3.